شهوة الكلام
أَكْـتُـبُ لأَهْـرُبَ مِنْ مَـوْتٍ يَـشْــتَـهِـيـنِـي إِلَـى مَـوْتٍ أَشْـتَـهِـيــــــهِ... ع.أواب الشاعر/ ع.أواب الإنسان/
معلومات المدون:
الإسم : aouab1
البلد : المغرب
(اعرض صفحتي)

عن المدونة:
حين يدركني المخاضٌ أهرعُ إلى أرض ما.. أختلي إختلاء الأعمى تمّ أنشر جراحاتي ترعى النصف برودة والنصفُ حمى

:: يوميات عامل: رائحة الخبز/3

يوميات عامل:
 

021f64b1.jpg image by abde3ali

رائحة الخبز/3

 
 
تلك الليلة ـ ليلة أول يوم عمل ـ نمت بعين واحدة.. الأخرى أوصيتها برا بساعتي التقليدية   ( الدجاجة الأسطورية) التي كنت أحيض و أبيض بها، أخاف عليها كثيرا  من العطب  و الإنكسار لأنها أمي الثانية ...

قبل طلوع الفجر، أيقظتني دجاجتي  المرضية ضائخا،عين حمراء وعين صفراء  و خيال شارد، لم أجد لحظتها  أمامي لا خبز أمي ولا قهوتها ، سوى اني استرقت رشفة ماء  أثناء غسل وجهي أطفأت بها رهبتي  و رجلت بها  نفسي ثم توجهت مباشرة  إلى  العمل...

حضرت مع الحاضرين,  كنت أبدو وسط زحام  جموع العمال الداخلين مع الباب  الضيق  كالكبش (الصردي)   الأبيض , الكل يلتفت إلي ويتهامس ،بعضهم يتساءل والآخر يقهقه تحت إبطه..سرعان ما سمعت صوتا خشينا :  هييييييييه، إرجع!   إرجع  ..

وقفت مكاني حتى وقف أمامي البواب : من أنت ؟  أجبت مطمئنا: السلام عليك.. أنا عامل جديد يا سيدي وهذه بطاقتي التأجيرية  .. أخذ مني البطاقة قرأها مقلوبة  و قال لي إنتظر حتى أسلمك للمسؤول الكبير وأبرأ منك ذمّتي  ..ضحكت سرا من كلام الرجل لأن الضحك في وجهه قد يجرني إلى الخسارة..

 ما هي إلا ساعتين حتى جاءني  رجل غض غليض  يرتدي بدلة رمادية و على رأسه خوضة مدنية،  قدمت له شخصي  من باب الإنسانية ، قدم لي شخصه  من باب الأنانية..(أنا  المسمى  الدركي  مسؤول المصلحة الميكانيكية )..هات بطاقتك التأجيرية  واتبعني ، أعطيته إياها وتبعته  خطوة بخطوة ...

داخل المعمل،  أضواء اللحّامين تكاد تخطف بصري و صداع الآلات يصم أذني و أنا أمشي وراء المسؤول مصدّع  ومضبّع  ..فجأة .إلتفتَ إليَّ وهو يكمل خطواته متمتما ببعض الكلمات الإفرنجية ، لم أفرز منها لا( وي ) ولا (نو) ما نفعني معه سوى  ,نعم سيدي؟

أقترب مني و أخذني  من قفاي وقال لي  أنظر هناك , أرأيت ذاك الشيباني الذي يجر تلك العربة؟ إذهب لمساعدته  حتى تتدرب جيدا ... و لا تنسى أن  تستعير منه إحدى بدلاته القديمة ريثما...

تقدمت  إلى الرجل,مددت له يدي مسلما ، مد لي مرفقه بالنيابة معتذرا لأن يديه كانتا  ملطختان بالشحوم الزيتية، قائلا : ما تحب الخاطر؟ أجبت محتشما :  أومرت من طرف (الشاف) الدركي بأن  أمد لك يد العون ،لكن قبل هذا  أريد منك أن تعيرني  بدلة ولو قديمة يا سيدي، ريثما..

ابتسم في وجهي وقال لي وهو يلهث ويتصبب عرقا: تعال خذ هذه  بالمرّة..لكن ( آش سماك الله؟) أجبت : عبد الله الحركي  ..قال : كلنا عباد الله و هذه أرض الله   ..

تحرّكْ يا ولدي ترزقْ، قل باسم الله واتّكلْ  على الله .. ابتسمت في وجهه مبسملا  وأنا أتحزم  ثم انحنيت على شتات من الفضلات الحديدية السميكة لأجمعها بعدما كشرت عن سواعدي المفتولة..جمعتها و وضعتها في العربة ثم  دفعت العربة إلى الأمام و أنا  أجر بدلة مفضفضة سروالها أطول من قامتي ..

في الطريق صادفت رجلا يحترق قرفصاء  أمام الملأ ،يبدو كحزمة حطب بين أحضان ألسنة من لهب ، استفسرت صاحبي  فقال لي إنه  معلم ماهر  يجيد قطع الحديد بالنار ..أنظر جيدا كم هو حريص على قطع أنفاسه كي يركز أكثر على خط النار الذي يصهر جنبات الحديد..يصارع خيوط الدخان  و الدخان يكاد  يعمي عينيه الذابلتين .. إنه  فعلا  يحترق ،يحترق  دون أن يحس به أحد!

 تأملته جيدا وأنا أجتر وراء عربتي متنهدا: مسكييييييين ! مسكيييييييين !لكن لماذا لم يستعمل تلك المقصلة لقطع الحديد؟ يبدو لي أنها جاهزة!؟ ما كدت أنهي كلامي حتى استدركني صاحبي قائلا: إنها آلة قديمة محدودة الجهد، طاقتها لا تتعدى السنتميتر الواحد،ثم إنها موروثة من مخلفات العصر الصناعي  الأول ،إياك أن تقربها إنها ضعيفة الجهد وطاقتها لا تسعب أكثر من سنتميتر واحد ، أما صاحبنا المحترق فإنه يقطع سمك العشرين سنتميترا و ما يزيد..

  ولازلت شارد البال ، أحترق حسرة و أسفا على الرجل حتى قال لي صاحبي  ساخرا : لازلت لم تر شيئا بعد!  أنظر أيضا إلى ذاك الصندوق الكبير الذي يتصاعد منه دخان كثيف  يحتل  كل فضاء المصنع ،، إن بداخله صديقنا  رحال  الذي قضى كل حياته  رحالا يبحث عن كسرة خبز ، وها قد وجدها الآن  هنا،  كان الله  في عونه ، له سبعة أطفال  مع الزوجة الأولى وثلاثة مع الجديدة ، إنه يموت كل يوم من أجل إعالة  قوم بأكمله !  فعندما تتدرب أنت كذلك جيدا و تعرف من أين تدخل ومن أين تخرج ، سوف تمارس نفس العمليات ، من قطع الحديد وتلحيمه وصقله وصناعته ،  ستموت أنت الآخرـ يا ولدي ـ  كذلك من أجل أن يعيش الخلف الصالح،،

ولازلت أتألم متلذذا الحلاوة المعقولة في  كلام صاحبي ، أجمع الفضائل الحديدية

، أمسح قطرات عرقي  المالح وأدفع العربة الثقيلة ذهابا وإيابا،  مرات ومرات ، حتى  شممت رائحة غريبة وكريهة  تكاد تزكمني حد العطس،حرت، من أين؟! بعد أن  فحصت  كل أطرافي المشكوك فيها  علني أعثر على المصدر،لم يبق لي سوى أن أسأل صاحبي ، لكني تمهلت قليلا إلى أن  تبت شمي على الرائحة !  بل الروائح  الفوارة التي ما فتأت تفوح وتفوح  من جنباتني..آه، إنها رائحة شريفة، رائحة عرق صاحبي التي كانت خامدة منذ زمن طويل بين طيات البدلة المستعملة التي أعطاني إياها ، فارت الآن بعد أن اختلطت برائحة عرقي الساخن ورائح الأوساخ و الزيوت المحروقة..المهم سأصبر حتى ينظر الله في أمري.

في اليوم التالي اختلطت  بمجموعة من العمال، ثلة  من الشياب و قليل من الشباب..سئلت أكثر من مرة عن إسمي و نسبي و من أين أتيت ووووو..وكأني في مخفر الشرطة فغالبا ما كانوا يذمون لي بعضهم البعض، وخصوصا أن هناك تمة صراعات خفية  بين الجيلين من العمال ( الشياب والشباب) كل يوم كانت تنشب فتنة بين عامل جديد و عامل قديم حول الإمرة في تسيير و تيسير العمل ..فلا زلت أذكر ما حصل لي مع مساعدي الشيباني ( مومو) الذي بدلا من أن  يحثني على الجدّية في العمل ويقدم لي المساعدة اللازمة ،كان يغنى لي المواويل الشعبية  القديمة، والنكت الشبابية العجيبة...إنه (مومو) ذاك  الذي كنت أحسبه أقرب العمال القدماء إلى قلبي أخيرا إكتشفت أنه أكبر الثعاليب مكرا، فلقد  كان يلهيني و ينسيني واجباتي عمدا..لتكتمل الفرجة  لديه  ساعة الحساب الذي ينتظرني  حين يخزيني وجه (الدركي) الذي ما عدت أحتمله ،إنه السبع كما يسمونه ..فلقد صفعني عدة صفعات آخرها..يومين دعيرة مخصومة من الأجر لا لنقص العطاء من حيث الكم أو الكيف، بل لأنه ضبطني ذات مرة  أضحك مستترا جراء  سماعي لبعض النكت الممسوخة التي كان يرسلها لي الشيطان ( مومو) جهرا (هَهْهَهْهَهْهَهْ)

 ــ عبد العالي أواب ــــــــــ يتبع



أضف تعليقا

ســـــــــمير من المغرب
08 مايو, 2007 07:08 م
انا هنا

هل رايتني ام لا

اتيت الى رائعتك كي اضع ابتسامتي

وفرحتي واعجابي لما كتبت سيدي

نزيه انت الاروع والارق

بأي كلمات احاور همسك

باي المعاني اسطر اعجابي بقلمك

قد اعود مرارا

ومن محبتي لهذه المعزوفه انتظر جديدك القادم

تقبل اعجابي الشديد بما نقشه قلمك

لك مني كل الود والتقدير

اخوك ســـــــمير
nadinemauritanie من موريتانيا
09 مايو, 2007 01:33 ص
صديقى العزيز اواب اننى اكتشفك كل يوم ورغم ذلك لم اعرف الا القليل انك مبدع انك رائع انا لا اعرف كتابة القصص لكنك انت مبدع فى سرد معانتنا اليومية ومعاناة كل العمال باسلوب شيق وجميل وقصير انت تنقل الواقع الحقيقى وتضع القارئ فى الصورة الحقيقية
دمت بخير عزيزى اتمنى منك دائما ان تعلمنى عند كل جديد لك
دمت بخير
aouab1 من المغرب
16 مايو, 2007 07:13 م
إلى العزيز ســـــــــمير
ما أروع اللحظات التي نتواصل فيها ..
سعيد بوجهك الشاعري الذي أطل علي و أدون رائحة عرقي المتصبب ...
شكرا على إطلالتك وعلى كلامك الناعم...
أتمنى أن تدوم هذه الصداقة التي أسعدتني
مع خالص مودتي
aouab1 من المغرب
16 مايو, 2007 07:27 م
الأستاذة الجليلة nadinemauritanie
لا يمكن أن تتصوري كم أنا فخور جدا بالتعليقات التي أتوصل بها منك..لأنك المصنفة الجيرانية رقم/1 بقلبي..سعيد بك وبوقوفك على كتاباتي و بتواجدك المشرف على صفحاتي
دمنا أحبابا وجيرانا طيبين..
مع عظيم تقديري وخالص مودتي
~عبد العالي أواب
dhifaf من المغرب
17 مايو, 2007 12:12 ص
الأخ أواب يسعدني الإطلاع على يومياتك الرائعة ..إنها يوميات الخبز الحافي.فليكن .الجميل أنه بعرق الجبين.مهما تفنن الأديب في الكتابة فلن تكون أروع الى بتجسيدها للواقع..
//
ضفاف
nonou من المغرب
17 مايو, 2007 02:51 م
اسلوب رائع وسرد اكثر روعة

اخي الرائع تقبل عظيم سعادتي

بقدرتك الرائعة علي طرح الافكار

في أطار جذاب رائع واسلوب ساخر اكثر من رائع

تقبل تحياتي المتتاليه وقبل منها تقبل شوقي لانتظار جديدك

وفي النهايه تقبل تطفلي القادم علي كل صفحاتك

لك مودتي وتقديري
aouab1 من المغرب
20 مايو, 2007 11:45 م
إلى الغالية nonou
بداية أقول لك :مرحبا بك وأهلا وسهلا ها هنا في كل وقت و في كل حين على صفحات مدونتي و بين حروفي ويومياتي التي أكتبها للناس الذين يسكنون قبيلة قلبي المسكين...
جيئيني متى تشائي، أجيئك كل حين
مودتي الدائمة
ع ـ أواب
badd من مصر
21 مايو, 2007 08:24 م
يا عم أواب انت كتبت في موضوع خطير بالنسبة لي بس اختلاط العمية المغربية بالفصحى تعبني شوية هنا لكن لازم اشرحك والله لشرحك
انا سعيد بمعرفتك مبدعا الله ينور عليك بجد تحب اختار ولا تختار انت العمل الى ممكن اشرحهولك ههههههههههههههههه
aouab1 من المغرب
21 مايو, 2007 10:47 م
أخي خالد
سعيد جدا بإطلالة وجهك البشوش على سواد يومياتي..كما أشكرك على إبحارك الجميل في رموز حكايتي..
و للإشارة أن سردي للأحداث تعمدت فيه العربية المبسطة كي يكون أقرب إلى عامة الناس ..أما تسرب بعض الكلمات العاميةالقليلة..فقد شرحتها مباشرة داخل النص بعد أن حصرتها بين مزدوجتين
شكرا على مرورك العطر
مع عظيم مودتي
ـ عبدالعالي أواب
badd من مصر
23 مايو, 2007 02:34 م
ياعم اواب لم ترشح العمل الذي تحب ان اعمل عليه دراسة انا افضل هذا العمل ولكن لك ما تحب ورني اليوم عندي جديد
http://badd.jeeran.com/archive/2007/5/229426.html

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية





الأوصاف
الورقة

يداي تلامسان الورقة برشاقة العشق و الورقة تشاكسني نشوة اللمس بياضها يعشقه بياض قلبي و مخاضها يأتي ـ لا ريب ـ من ضلعي و كل العلاقة التي بيني و بينها فيها شيىء من الجنون و شيء من المس ءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءء يداي باردتان برودة الثلج و أنا عاشق من أخمصي حتى قلبي و أنا عاشق و العشق عندي دين ليس كالدين حبل يشنق عنقي وعنقي ممدودة لحلاوة الشنق و أنا، آه يا أنا أعرف أني ذاهب إلى حلقات الرجم أعرف حكمي و أمضي ..... ..... عبدالعالي أواب
..

أنت الزائر رقم:

...

معرض لمبدعي اليوسفية/ المغرب

.....

Photobucket




Photobucket Photobucket Photobucket Photobucket Photobucket Photobucket Photobucket Photobucket