يوميات عامل: رائحة الخبز/5 إهداء:إلى صاحب القصيدة الجماعية /الشاعرالمغربي توفيقي بلعيد مات أبي و لم أبك، بالعكس لقد فرحت كثيرا لموته، لأني بكيت ما فيه الكفاية طول الست سنوات التي قضاها طريح الفراش في غيبوبة تامة، إنها ساعة الفرج التي طالما انتظرناها، بحيث كان ينادي أمي بأي إسم خطر على باله، فغالبا ما كان يناديها بأسماء الذكور ( آآآ سي محمد مثلا أو آآآ السي قدور..) بينما كان يناديني أنا ( آآآ ذاك الرجل ..أو آآآ بنيتي) وذلك من أجل تقليبه على الجنب المرتاح أو من أجل ان نحضر له بعض الوجبات.. مات الذي أفنى عمره من أجلي، مضى و ترك الدموع متحجرة بعيني كما ترك لي كذلك رغبة شديدة في البكاء لكن الوقت الآن لا يسمح، سأؤجل شهوة هذا الفعل إلى ما بعد ،فأنا الآن متبوع بعدة إلتزامات كإخبار الأهل مثلا زيادة على الخروج إلى السوق من أجل شراء الكفن و بعض اللوازم الأخرى... إنها ساعة الشدّة والضيق يجب علي أن أصمد بقلب صلب لكي لا أنهار وخصوصا أنني أنا الإبن الوحيد المعتمد عليه .. لم تمض ساعة على الحدث الجليل حتى توافدت على بيتنا فلول و جماعات من الأهل والأصدقاء، الأهل هرعوا مباشرة إلى غرفة أمي أما الأصدقاء فقد إستقبلتهم في الغرفة الكبيرة المجاورة لغرفة النعش... كل رفاقي بالمصنع حضروا منهم مومو وعبدالسلام الشاعر و المعلم قدور و و و.. وعبدالرحمان ذاك الوجه البشوش الذي كان يطربنا دوما ( بعيطاته) وصوته الناغم ها هو أراه الآن دامعا متخشعا... إنها لحظة تضامن حقيقية فحتى خصومي و أعدائي في الحرفة حضروا باكين، نعم كلهم حضروا إلا "الدركي" فقد تغيب عن الركب... بعد عودتنا من المقبرة و إنهاء مراسم الدفن لم يودعني أحد من الرفاق فلقد رافقوني إلى البيت و ذلك من أجل المواساة، قال لي أحدهم وهو يجدد عزاءه لي:( ترجل يا أخي ! ترجل، فالرجل لا تكتمل رجولته إلا إذا مات أبوه..) أبكاني قول الرجل بعدما كنت مصرا على التأجيل، إنها الدمعة التي أفاضت الجفن.. فلقد بكيت و بكيت إلى درجة ّأنني احسست بنفسي و كأنني صبي لم يتجاوز بعد سن الفطام. نعم بكيت إلى أن امتزج شهيقي المباح بقراءة القرآن.. حاولت أن أتحكم في أمري لكن الجهد فوق جهدي..بكيت و بكيت حتى كاد أن يغمى علي، لكن من حسن الحظ لم تسمعني أمي، فقد كانت مشغولة مع باقي الأهل في الغرفة المجاورة،لأني أخاف عليها أكثر ما أخاف على نفسي من أي انهيار عصبي وخصوصا أنها مصابة بداء السكري صحوت على صوت الفقيه عبدالله وهو يبسمل جهرا و يلعن كل شياطين السماء و الأرض.. مسحت دموعي و تناولت كأس شاي من يد الرجل الذي أبكاني ثم تحدثنا قليلا في أمور الدين و أمور الدنيا الفانية ثم ثرثرنا كثيرا في غلاء المعيشة و مشاكل الشركة وأعداد الذين ماتوا في بطن المنجم والذين احترقوا و الذين اختنقوا بالمصنع كما تطرقنا إلى تدهور حالة العباد والبلاد و فساد السياسة وظلم القواد إلى أن قاطعنا الفقيه عبد الله دون إستشارة مسبقة بــقوله تعالى : (و لو رحمناهم و كشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون..) ما كا د أن يسكت الفقيه حتى تسابقـنا جملة إلى رحمة والديه..وبعده دار الكأس بينناـ كأس الشاي طبعاـ تنسمناه فرادى فرادى و به تجدد الحديث..هذه المرة نميمة مباحة بالجملة في شخص 'الدركي' المسؤول عن إدارة المصنع .. حدثنا مومو عن قصة أمه عندما كانت خادمة ببيوت النصارى و كان' هو' أنذاك نزيلا بدار الأيتام ثم أردف: لكن العلم لله هل هو يتيم أم لقــيــ... تبسمنا جميعا مدركين المعنى ! لكن عبدالرحمان قهقه كثيرا و هو يمضغ الكلام :( ولد الحرام..عيناه زرقوتان ههههه نصفه نصراني و نصفه ... ههههه هكذا يكون الحكام و إلا فلا..) لحظتها كنت شارد البال واضعا يدي على خدي أقرأ وجوه أحبابي الذين قضوا يوما كاملا في مواساتي إلى أن غلبني الكلام فتكلمت بعدما تبين لي الخيطان ، قلت لجموع الحاضرين: لا أنكر عليكم إخواني أنني ضدكم في الرأي هذه المرة، نعم ضدكم، فلا عيب لا في 'الدركي' و لا في الشركة التي نعمل بها ولا في الحكومة ولا في الحكام و لا حتى في النظام، ولا ولا ... العيب فينا يا إخواني بالأطنان ، نحن الذين نتفق دائما على أن لا نتفق، نسعى جاهدين إلى التفرقة و شتات الصفوف كما نتسابق إلى الرشوة و الوشاية ببعضنا وذلك لغاية في نفس حقود...فلا حل بيدنا الآن إلا إذا متنا و حيينا من جديد.. ما كدت أن أتمم خطابي حتىتسابقوا جميعا إلى رحمة والدي الذي لا زال طيفه لم يفارقني بعد،ثم تكلم عباس الذي كان أشد خصومي و أحقدهم أخي عبدالله الحركي ، إخواني المتحركين داخل الشركة ، ما رأيكم في أن نوحد صفوفنا تحت لواء إحدى المركزيات النقابية؟؟..إنه حق مشروع وخصوصا أننا طبقة مسحوقة..نعم سنواجه بعض المشاكل في البداية لكن '' ماضاع حق من وراءه طالب'' قلت في نفسي:(هذا عباس..ياسبحان مبدل الاحوال، ما أحوجنا لمثل هذه المناسبات ولو كانت موتا!!..) جميعا أيدنا كلام عباس و طلبنا منه أن يتزعم حركتنا النقابية لكنه أشار إليّ بسبابته مرشحا إياي كما طلب مني أن أقرأ على جموع الحاضرين بما فيهم الفقهاء والفقراء، العاملين منهم والعاطلين ''قصيدة الخبز'' التي لاتشبه غراميات عبدالسلام الشاعر في شيىء، حاولت أن أتهرب لكن الشعر غلب، فقرأت: ( زد رتّل هذا النشيد يا أيها الطفل الجائع المارد العنيد صوّت بصوتك الرقيق قل هاتوا الخبز هاتوا الدقيق.. إجمع شتاتك و أوراقك الملقاة على الرصيف بالسيف بالكلمة حرر رقبة العبيد زد أكمل هذا النشيد يا أيها الطفل الجائع المارد العنيد. وحين سكتت سكت الجميع طمعا في المزيد،وكنت قد أذرفت آخر دمعة مستعصية بجفني ثم أعدت نفس النشيد.. عبدالعالي أواب ــــــــــ يتبع 
أضف تعليقا
من الأردن

للتصحيح
اقصد الخبز المرّ لا الخبو المر
من المغرب

إلى الوجه العزيز/doctorbob1
إلى العين التي لا تخبو و لا تنام
أهدي كل أطباقي
كل أشواقي..
مرة أخرى أطمئنك،
إنها فعلا يوميات فيها كل الأزمنة..فيها مسيرة عمر من الشقاء الحلو و ليس المر!
محبة لاتبلى
عبدالعالي أواب
من المغرب

شكرا أنك أهديتني هذا النص العميق والجميل...
أما أنا يا صديقي فلا زلت مكتظا بالبكاء..
بعد إذنك هل يمكن أن أنشره في مجموعة من المنتديات التي أنشط بها؟
وهذا بريدي لمزيد من التواصل:
taoufikibelaid@yahoo.fr
مودتي
من المغرب

سلام حار أرفعه إلى كبيرنا توفيقي بلعيد
ثم شكرا على تواصلك..وإنه بالنسبة لي ليوم عيد ان يطل علي وجهك العزيز موقعا إرتسامات جميلة هاهنا على صفحاتي..
لك ألف ضوء أخضر يا السي بلعيد
أوافقك على نشر "رائحة الخبز" بكل أجزائها بكل المنتديات التي تنشط بها مع إخباري على الإميل التالي :
abde3ali@gmail.com
وذلك من أجل المتابعة و إكمال الحكاية
قلبي على قلبك
عبدالعالي أواب
من المغرب

إن كنت تود التعرف على شاعر و كاتب و هو مدون معنا بجيران و من خارج بلدنا و الذي سيحل ضيفاً علينا ببلدنا الحبيب المغرب فلك أن تزور هذا الرابط :
http://khazaal.jeeran.com/archive/2008/3/502140.html
أختك سعاد
ـــــــــــــــ
أتمنى أن يكون غيابك خيراً إن شاء الله
هههههه ناري لما صباتش الشتا ما عرفت اش غادي تكتب ع الخبز أ أواب ... قفرناها ..... ههههههه
من المغرب

الأستاذة الكريمة سعاد صالح
شكرا على تواصلك المعهود أيتها الفاعلة الفاضلة..وإني أشكرك جزيل الشكر على إبلاغي بكل ما هو جديد
أما عن تأخر الامطار ببلادنا "الله يحفظ و صافي" بالإضافة إلى أزمة القمح العالمية و إرتفاع الأسعار...هي ذي تتممة رائحة الخبز..لكن المشكلة أن أغلب "الصراطة" يريدونه باردا هههههههههه
مودتي
عبدالعالي أواب
من المغرب

الصراطة أعبد العالي ما عارفينيش شحال سخونة العصيدة
الله يحرقهم فيها باش نتهناو منهم
هههههههههههه
خطير أنت و الله كون عرفتك فين انت تنجرك للقاء و نعطيو لخونا الصراط ديال هناك علاش ما قدر لأنه حاضر هههههههههه
بعزك و الله اخي
من المغرب

العزيزة souadsaleh
أنا أقرب من حبل الوريد..
كان بودي أشارككم أنشطتكم هناك بفاس، لكنني تعتقلني لقمة الخبز هنا بالويجانطي مدينة النضال مت فوق الأرض وما تحت الأرض...
أتمنى أن أوقع رائحة الخبز هناك بالعاصمة العلمية إن شاء الله
أتمنى أن لاأحرم من ضيافتكم في المرة القادمة
دمتم حاتميين
مودتي
عبدالعالي أواب
من المغرب

أخي العزيز عبد العالي
السلام عليكم و رحمة الله
شممت رائحة الويجانطي و التي درست قريباً جداً منها و هي فعلاً مولد الأبرار أمثالك
حسناً سأعمل على جادة في تلبية طلبك سواء بفاس أو بمدينة أخرى لأنني أنا الأخرى أقطن بعيدة عن مدينة فاس و جميل أنني قرأت لك ردك الأخير للإهتمام
وفقك الله أخي الفاضل
أختك سعاد
من مصر

أخي العزيز العم أواب
لم أقرأ فقط إلا العنوان وسوف أعود لعملك الرائع سلسلة رائحة الخبز
عزيزي فقط مررت لاذكرك بي
وانا في اشتياق لزيارتي دوما وخاصة في مدونة منارة العرب ففيها الجديد الآن الذي يهم قضايانا العربية والتي كان على عمال أمتنا النهوض بها لولا سيطرة الطبقة الوسطى والطبقة الرأسمالية العفنة التي أكلت من أرواح عمالنا الكثير لذلك حضرت لاشتم رائحة الخبز تحياتي يا عم أواب يا عامل يا أصيل
عاش كفاح الطبقة العاملة
من مصر

أفكر بعد إذنك طبعا بعد أن تنهي هذه السلسلة رائحة الخبز أن أنشرها مع نقدي السابق ومع نقدي اللاحق إن طال بي العمر بعد موافقة منكم صريحة ضمن سلسلة الدكتورحاتم عبد العظيم الأدبية التي أشرف عليها وصدر منها عدة أعداد وفكر في الأمر
من المغرب

العزيز الغالي خالد الصاوي
ملامحك مرسومة بين معقف حاجبي ...لا يمكنني أن أنسى صديقا تسلل يوما إلى نصوصي وسكن بين كلماتها..لا يمكن لايمكن
سوف أتواصل هعك عبر الإميل حين تسمح الظروف بذلك
محبتي
عبدالعالي أواب
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية















من الأردن
رائحة الخبز ام الخبو المر ؟؟
لم اعد ادري ماذا يجري هنا
هل هذا نص او واقع مررت به
طمني عليكي صديقي
ارجو ان يكون مجرد نص
تحياتي